السفسطة تعود من جديد في ثوب فن الإلقاء - زكرياء الساسي

فيلوكلوب مارس 28, 2020 مارس 28, 2020
للقراءة
كلمة
1 تعليق
نبذة عن المقال: السفسطة تعود من جديد في ثوب فن الإلقاء - زكرياء الساسي
-A A +A



زكرياء الساسي طالب باحث في شعبة الفلسفة بجامعة ابن طفيل بالمغرب.
لاحظت مؤخرا ظهور عدد كبير من المدربين و الذين يصفون أنفسهم بالمختصين في فن الإلقاء و التأثير في الجماهير، مما دفعني إلى كتابة هذا المقال البسيط و رؤية هذه الظاهرة من زاوية أخرى تمكننا من إعمال العقل في مثل هذه الأشياء...
يبدو أن لكل ظاهرة سبب و أن كل سبب له علة، لكن كيف يمكن أن نفسر تحول ظاهرة من حالة إلى حالة أخرى مع الحفاظ على نفس الخصوصية، قد يبدو لكم ذلك غامض نوعا ما، لكن دعونا نلقي نظرة إلى المجتمع اليوناني خلال النصف الثاني من القرن الخامس و الذي سادت فيه آنذاك السفسطة، و انتشرت بشكل واسع حيث كان هؤلاء يعلموا البيان و فن الإلقاء للطبقة الميسورة و التي كانت بدورها تقوم بدفع الأجور الوفيرة من أجل تعلم فن المراوغات و التلاعب بالألفاظ من أجل التأثير و تخذير عقول المتلقين، و كان الغرض من ذلك الحصول على مراتب سياسية و سلطوية فكان السوفسطائيون يقدمون هذه الخدمة للطبقة التي تود السيطرة على العامة، و ليس هذا فقط و إنما ذهب هؤلاء ( السوفسطائيون ) إلى إثبات الشيء و نقيضه في نفس الوقت مما يجعل معهم استحالة بلوغ الحقيقة و تم تعطيل العقل، و كان أسلوبهم في الحوار هو الجدل، و تعني كلمة " سوفيست " في الاصل معلم البيان، و من أشهرهم : بروتاغوراس و غورغياس.

لكن ما القاسم المشترك بين فن الإلقاء و السفسطة ؟
يتضح القاسم المشترك بين فن الإلقاء و السفسطة في قدرتهم على التأثير في الآخر أو المتلقي بحيث يصعب عليه تمييز المغالطات و الأفكار التي يمرروها عليه، و يصبح مخادعا لهم انطلاقاً من الأساليب التي يستعملها هؤلاء مثال : اللغة (المصطلحات و بعض المفاهيم) و حركات الجسد، كما أنهم دائما ما يخاطبون العاطفة و احاسيس النفس، و لا يخاطبون العقل.

نحن اليوم لدينا ما يكفي من الخطابين  الذين يمارسون الإلقاء بكل أنواعه لكن بدون ضوابط و معايير عقلية و بدون أفكار منظمة و نسقية، مما يجعلنا لا نؤسس لجيل أو مجتمع واعي بقدر كافي لأهمية العقل، و غياب العقل في المجتمع يعني حضور السحر و الشعوذة و الأسطورة و كل أنواع اللاعقل، و للأسف هذا ما نلاحظه اليوم في المجتمع : في الأسواق و المقاهي، في الشارع، حتى في وسائل الاعلام و التواصل، كلٌ يمارس سفسطة خاصة به، كأنها أصبحت أسلوبا في الحياة، و أسلوبا في كسب لقمة العيش، و هذا ما سيؤذي إلى إنحلال المجتمع. و للأسف نجد أيضا بعد السياسين من يمتهن هذا الأسلوب و يتقنه بشكل جيد جدا، حيث تصبح له القدرة على التأثير في الجمهور انطلاقا من فن الإلقاء، و هنا تكمن الخطورة و تظهر قواسم مشتركة بين السفسطة و فن الإلقاء بشكل مباشر.

ما نحاول أن نبينه ليس أن فن الإلقاء لا حاجة لنا به و لا يمكن أن نعمل به، لا ليس هذا هو القصد، لكن يجب إضفاء قيمة العقل عليه، حتى نرتقي بمستوى الإلقاء و يكون بين الملقي و المتلقي ضوابط و قواعد منطقية، خالية من المراوغات و التأثيرات العاطفية، بحيث تصعب أن تمرر على المتلقي أي معلومة بدون أن يستعمل ملكة النقد و الفهم و الحكم، من أجل تفكيك المعلومة و التأكد من صحتها.

المراجع :
كتاب الفلسفة اليونانية لدكتور يوسف كرم



شارك المقال لتنفع به غيرك

فيلوكلوب

الكاتب فيلوكلوب

قد تُعجبك هذه المشاركات

8258052138725998785
https://www.mabahij.net/