التخطي إلى المحتوى الرئيسي
مقالات · مقالات في الفلسفة

الدرس الفلسفي داخل القسم المغربي و في الطرائق البيداغوجية بين النظرية و التطبيق

فيلوكلوب
بواسطة فيلوكلوب · نُشر:
آخر تحديث: · ليست هناك تعليقات

  • الدرس الفلسفي داخل القسم المغربي و في الطرائق البيداغوجية بين النظرية و التطبيق
  • من إنجاز: بوشعيب بن ايجا، طالب أستاذ باحث في الفلسفة ، وعلوم التربية و علم الاجتماع


لطالما كانت العملية التربوية لها دور و إسهام كبير في تكوين شخصية الطفل ، سواء كانت تربية عقلية أو جسدية أو روحية من أجل المساهمة في تقدم المجتمع و ازدهاره من جميع الجوانب ، فالتربية تساهم في استقرار المجتمع ، إذا أدى كل واحد المهمة التي وهبته الطبيعة الخيرة القدرة على أدائها ،و نجد أن منظومة التربية و التكوين بالمغرب قد عرفت تقدما كبير من بداية بيداغوجيا المضامين مرورا بالأهداف و انتهاء بالكفايات ، ثم وصولا الى الكفايات التي تكشف عن القدرات الكامنة و العمل على تنميتها و تطويرها ؛ فبيداغوجيا المضامين تعتمد على ما تمت المصادقة عليه في المقررات الدراسية ، بهذا فإن الدولة هي التي تتحكم في سير العملية التعليمية التعلمية ، قياسا على الاهداف التي تضع مجموعة من الاهداف المسطرة من أجل بلوغ غايات محددة ، و أخيرا نجد الكفايات التي تركز على القدرات الإبداعية للتلميذ و التي من خلالها يتم إبراز جميع المؤهلات العقلية و البدنية للفرد ، و التي تساهم في تنمية فكره ، و يحصل على شخصية متوازنة قوامها جعل المجتمع ذو ثقافة واسعة و العمل على التخلص من جميع الآراء المسبقة و الأفكار الجاهزة و الخطابات التأملية التي تجعل المجتمع متخلف ، لذلك فإن الإصلاحات التربوية يكون لها أثر بالغ في تنمية فكر التلميذ أو إنحطاطه ، لهذا فإن على الطالب الأستاذ معرفة القواعد و المبادئ التي يجب القيام بها من أجل ضمان نجاعة التعليم ، بالإضافة إلى تحديد ما هو مطلوب من الطرفين القيام به ، أثناء العملية التعليمية التعلمية ، فيجب على الأستاذ أن يكون ملما بعلوم التربية من أجل زرع مهارة الفكر النقذي لدى التلاميذ ، من أجل التعامل مع الأشياء غير المألوفة ، فبيداغوجيا المضامين تعتمد على المقرر الدراسي و لا تولي أهمية كبرى للتلميذ ، باعتباره محور العملية التعليمية، لأنها تعتمد على المقاربة السلوكية التي لا تولي أي إهتمام لأفكار التلميذ ، فهي تقوم على الضغط و الحتمية ، كما أكد على ذلك اسبينوزا ؛ فأفعال الإنسان هي نتاج للضرورة و الحتمية التي تفرضها عليه طبيعته المحضة ، و أن الحرية الإنسانية هي مجرد وهم سببها الجهل بالأسباب الخفية وراء أفعاله ، فنجد معظم السلوكيين يؤكدون على أن الإنسان لا يولد و إنما تتم صناعته ، و في هذا الصدد يقول جون واطسون عالم النفس الأمريكي الذي حاول إعطاء علم النفس المعاصر طابعا تجريبيا ، و هو من مؤسسي المدرسة السلوكية في العلوم الإنسانية " يجب أن يقتصر علم النفس على دراسة السلوك الموضوعي للإنسان و الحيوان و هو السلوك القابل للملاحظة " بهذا المعنى فإن ضمان تعليم جيد ، لا يتأتى إلا من خلال العمل على تطوير نظريات التعلم من أجل أن تستجيب لتطلعات المناهج التربوية الحديثة من أجل تطوير الذات ، و نشر ثقافة التعلم المبرمج داخل ميدان التعليم ، و هذا ما يتطلب إصلاح و تطوير الدرس الفلسفي ، لأنه مهم في جعل التلميذ يكشف عن قدراته في التفاعل مع الإشكال الفلسفي داخل قاعة الدرس . فعلوم التربية تهتم بقوانين التدريس و علاقتها بالنقل الديداكتيكي باعتباره مجموع المعارف المستفادة من التخصصات العلمية المختلفة ، و مجموع التحولات التي تطرأ على معرفة في مجالها العالم و ذلك من أجل تحويلها إلى معرفة تعليمية قابلة للتدريس ، بالإضافة إلى التعاقد الديداكتيكي الذي يهتم بصفة ضمنية في الغالب ما هو مطلوب من الطرفين أي الأستاذ و المتعلم القيام به أثناء العملية التعليمية التعلمية، ناهيك عن إرتباطها بالمثلث الديداكتيكي، و مختلف التفاعلات التي تتم بين عناصره الثلاث ، و في سياق متصل نجد أن برنامج التوجيهات التربوية لمادة الفلسفة ينص على جعل الدرس الفلسفي غنيا بالمعارف و الأساليب البيداغوجية التي تسهل عملية شرحه و إستيعابه من طرف التلاميذ ، و بالتالي يكون هدفه إستقلالية التفكير أثناء التفاعل في بناء الدرس و التعلمات المختلفة التي تسمح بجعل مادة الفلسفة فسحة فكرية يعبر كل واحد فيها على أفكاره و آرائه ، تجاوز لتلك الرتابة في إلقاء الدروس و الإنتقال إلى نهج التقصي الذي يلعب فيه المتعلم الدور الفعال من خلال بناء الوضعية المشكلة و بناء فرضية و التحقق منها من أجل الحصول على نتيجة نهائية يمكن تعميمها على كل أفراد جماعة القسم ، و هذا ما يسمى في مجال البيداغوجيا و الديداكتيك بنهج التقصي الذي يعمل على إبراز المجهود الذاتي للفرد من خلال السعي وراء المعرفة ، لأن حسب النظرية السوسيوبنائية فعملية التعلم تتم عن طريق تفاعل عنصرين داخلي و خارجي ، فعندما يواجه المتعلم وضعية مشكلة يقع تحت تأثيرين ذاته و أفراد جماعة القسم مما يجعله يجند جميع قدراته الإستقرائية و الإستنباطية من أجل إيجاد حل لها ، و عليه فإن الدرس الفلسفي له أهمية بالغة في تنمية الفكر النقذي و المعرفي للمتعلم ، و التخلص من جميع القيود التي تجعل التعلم يعود إلى الثورة السلوكية ، فلنبدأ بالمثلث الديداكتيكي الذي له أهمية كبرى و ذلك عن طريق تفاعل ثلاث مقومات أساسية ، و هي المتعلم و المعلم و المعرفة ؛ فالمدرس يعمل على نقل و تعليم المعرفة إلى المتمدرس ، فعليه الإلتزام بالمبادئ و القواعد التي تجعل تمرير المعرفة بكل سلاسة إلى التلميذ ، بالإضافة إلى المتعلم باعتباره الركيزة الأساس في العملية التربوية ، فكل التعليم مرتكز على محور التكوين ، و أخيرا نجد أن المعرفة مشتركة في المثلث الديداكتيكي ، لأن المدرس هدفه التكوين و المتعلم هدفه التعلم و المعرفة ، و يعتبر جون هوسي أن الفعل التعليمي هو عبارة عن عملية تفاعل بين كل من المدرس و المتعلم و المعرفة ، إن هذه العناصر بتعبيره تمثل براديغم المثلث البيداغوجي، و يتوقف نجاح العملية التعليمية على مدى توسيع شبكة التفاعل و التواصل كميكانيزم بيداغوجي ، فعندما تكون سيرورة التعليم هي السائدة في العلاقة بين الأقطاب الثلاثة نكون أمام نموذج في التدريس يركز على المحتويات المعرفية ، كما يعتمد على طرائق بيداغوجيا يطغى عليها طرق التدريس التقليدية ، و هذا النمط من التدريس يقول هوسي ما يزال سائدا في مدارسنا و جامعاتنا يركز الأستاذ على المادة المعرفية، من خلال تقديمها على شكل دروس و محاضرات لا تلي أهمية للعنصر الإبداعي للتلميذ و الجانب العقلي و المعرفي ، فيجب الإنتقال من السيرورة المعرفية إلى السيرورة التكوينية ، و يرى جون هوسي على أنه يجب التركيز على سيرورة التعلم ( متعلم ، معرفة ) بدل سيرورة ( مدرس ، معرفة ) و ذلك من أجل بناء التعلمات لدى التلميذ و المساهمة في تقدم التعليم و إزدهاره ، و لا بد من الإشارة إلى الطرائق البيداغوجيا ، فهذه الأخيرة لها دور فعال في تسهيل التدريس للأستاذ من جهة ، و جعل التلميذ يركز على التعليم الذاتي ، و تطوير المهارات و المؤهلات العقلية و المعرفية ، و تمت نقطة أخرى هي أنه ليست هناك معايير محددة و مجمع عليها في تصنيف الطرائق البيداغوجيا ، إلا إذا إعتمدنا على التقليدية و الحديثة و تصنيفها تبعا للطرائق البيداغوجية ، فالطرق التقليدية تعتمد على التلقين و الإلقاء الذي يتميز بالرتابة و الملل التي تقوم على سلطة المدرس و العقاب ، و تهتم هذه الطريقة بتبسيط المعارف و تجزيئها و تنظيمها بغية حفظها و استظهارها ، و هذا ما يدل  على الآلية و التحكم في السلوك الإنساني ، مما يدفع إلى التنافس بين أفراد جماعة القسم ، أما بخصوص الطرائق الحديثة فتتسم بالفعالية و النشاط حيث يتم فيها مخاطبة معرفة الفرد و عقله و قدراته التفاعلية و التواصلية خصوصا و أننا نجد بيداغوجيا الكفايات التي تهدف إلى تنمية مجموعة من الكفايات لدى المتعلم ، فضلا عن هذا يتم تكييف المتعلم مع المقرر الدراسي تبعا لحوافزه و رغباته و درجة إستيعابه ، لهذا كان من الضروري ظهور بيداغوجيا الفارقية من أجل جرد الفروق الفردية بين التلاميذ ، لأن المتعلم فاعل و مشارك و بان لتعلماته عبر نهج التقصي ، مما يساعد جماعة  القسم على التعاون في بناء أهدافها بكل حماس و نشاط حاملين كل قدراتهم في مواجهة الصراع السوسيومعرفي في بناء الجانب الإبستيمولوجي ، هكذا نجد بأن الطرائق البيداغوجيا الحديثة أكثر فعالية في إبراز شخصية المتعلم و جعله يتفاعل مع الدرس الفلسفي أثناء العمل على تحليل النصوص الفلسفية التي تتطلب قدرة عالية من التركيز ، لاسيما إذا كانت عبارة عن قولة أو شذرة لا بد من تفكيكها من أجل فهم معانيها ، و هذا يتطلب نوع من الفكر الفلسفي العميق و الفطن ، و من خلالها يتم التعرف على صاحبها و قناعاته الفلسفية فطالما كان حضور الفلسفة بالقسم المغربي محط إزعاج بالنسبة إلى الفكر التقليدي الذي كان يتبنى ثقافة خريجي الجامعات الدينية ، مما جعل الفلسفة معرضة للتهميش كمادة ثقافية و معرفية . إن تدريس مادة الفلسفة بالمغرب كان محط مجموعة من النقاشات و التناقضات حول جدوى هذه المادة في المؤسسات التعليمية ، حيث تعرضت للإقصاء من طرف أجهزة الدولة الرسمية من أجل محاربة ما يسمى بالفكر العدمي المشاغب الذي يفسد عقول الشباب و يجعلهم يتوجهون إلى الفكر السلفي المتطرف ، فما كان لمؤسسات نظام التعليم إلا أن أقصت هذه المادة داخل أقسام الثانوي ، و داخل الجامعات المغربية فحصرتها فقط في جامعة محمد الخامس بالرباط و فاس ، بالإضافة إلى هذا عملت على تقليل ساعات تدريسها بالسلك الثانوي ، و حرمت الراغبين في دراسة و التعرف على هذه الشعبة إلى التوجه و إختيار شعب  أخرى ، و إذا كان قرار أصحاب نظام التعليم قد أعاد الإعتبار إلى هذه المادة الدراسية ، فهو لم يكن إلا مناورو سياسية من أجل محاربة التوجه الإسلامي الذي ألقى بظلاله و أصبح يستغل سذاجة الأفراد من أجل جعلهم يخضعون إلى ذلك الخطاب التيئيسي الذي لا يمت إلى الدين الإسلامي بأي صلة ، لذلك فإن الفلسفة أو كما يطلق عليها محبة الحكمة أصبحت تتعرض للنقد من طرف الأفراد سواء في الدولة الإسلامية التي جعلت الفلسفة محط شك و إرتياب ، اللهم إذا وجدنا بعض العصور الذهبية التي عرفت قيمة الفكر الفلسفي ، بالإضافة إلى المشرق ، و خير مثال على هذا الإقصاء الذي تعرض له العالم العلامة ابن رشد حين إشتغل بالفلسفة خصوصا عند تأليفه لكتاب فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الإتصال ، حيث اعتبر أن الحقيقة النقلية أي الشريعة ، لا تتعارض مع الحقيقة العقلية ( الفلسفة) ، فالحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه و يشهد له ، و قد كتب ردا على الفيلسوف أبي حامد الغزالي الذي قام بتكفير الفلاسفة ، حيث إعتبر أن الله لا يعلم الجزئيات ، حتى في قضية العالم قديم ، و قد كان الخليفة أبي يعقوب يوسف لا يحب الفلسفة معتبرا إياها زندقة فقام بنفي ابن رشد ، لهذا فقد أعتبرت الفلسفة فكرا دخيلا على ثقافتنا ، لذلك نجد حضورها ضعيف جدا ، فمشروع تعميم الدرس الفلسفي بالثانوي التأهيلي أو الجامعة ليس مرده حاجة مجتمعية ملحة ، بل أهداف سياسية محضة .

إن الوضع الإعتباري للفلسفة اليوم هو مجرد ورقة رابحة لأهداف نظام التعليم الذي غرضه خدمة الأهداف السياسية فقط لا غير متغافلين عن كل الخطابات التي ترفع من قيمة هذا النسق الفكري و الفكر التأملي الذي يجعلنا نغوص في أعماق الإنسان كحيوان ناطق و مدني كما قال الفيلسوف أرسطو و باقي السوسيولوجيين ، فالهدف السياسي هو العمل على رفع شعار المجتمع الديمقراطي المفتوح الذي يحترم القيم الكونية و يدافع عن الفلسفة كنسق من الأفكار و التصورات المنظمة تجاه العالم الخارجي ، و ليس هناك تواصل بين الأفراد الساهرين على التخطيط و التنفيذ من أجل ضمان فعالية الفعل البيداغوجي، خصوصا أن الكتب المدرسية لا تتجاوب مع إنتظارات أساتذة الفلسفة في تقديم مواضيع و وضعيات مشكلة تتيح للتلاميذ العمل على إبراز قدراتهم الفكرية في التعامل مع المقرر الدراسي ، و بالتالي كيف لنا أن نتحدث عن وضعية مريحة لدرس الفلسفة بالتعليم الثانوي ، لاسيما و أن المغرب لا يزال ينتهج طرق التدريس القديمة التي تغيب المستوى المعرفي و الإدراكي لدى التلميذ ، هذا الأخير الذي يبقى سجين التصور السلوكي الذي يركز على السلوك الخارجي في علاقته بالوسط الإجتماعي للمتمدرس ، و لعل الوضعية المريحة و الجيدة لدرس الفلسفة تتعلق بشكل أساسي بما يجري ، ذلك أن هذه العلاقة اليومية هي الشاهد على كيفية التعليم و التعلم التي تمارس داخل القسم المغربي ، بالرغم من أنه لا توجد طريقة واحدة في تدريس الفلسفة ، بل هناك مجموعة من التقنيات التي تسهل عملية التفاعل في الدرس الفلسفي ، خصوصا مع تجربة تدريس المادة في الجذوع المشتركة ، لذلك تطرح بشدة مسألة تكوين أساتذة التعليم الثانوي سواء أولائك الذين مرو بتجربة التدريس أو خريجي المدارس العليا للأساتذة، لاسيما و أننا نجد إقصاء كبير لمادة الفلسفة، اللهم إذا تحمل التلاميذ عناء السفر إلى الرباط من أجل متابعة الدراسة بالمدرسة العليا للأساتذة ملحقة العرفان ، فتدريس مادة الفلسفة لا يحتاج إلى السرد و الإلقاء الذي يوجب على التلميذ الحفظ و تكرار ما تم تخزينه ، لأن بهذه الحالة سوف نعود إلى نمط التدريس بالمضامين و الأهداف الذي لا يعطي أي قيمة للمتعلم أثناء العملية التعليمية التعلمية، و يصبح مثل الآلة لا يتاح لها التفكير و إكتساب مهارة الفكر النقذي ، فلا بد من توافر مجموعة من الكفايات في الأستاذ ، و ذلك من أجل أن يستثمر كل معارفه الفلسفية ، و التي تمكنه من التواصل الجيد مع التلاميذ ، و أفراد جماعة القسم ، و ذلك عن طريق تبني جملة من الطرائق البيداغوجية الحديثة التي تساهم في بلورة الفكر النقذي للتلميذ ، و قادرا على مواجهة أي وضعية مشكلة وضعت أمامه ، من هنا يتبين كيف أن الإختبار المعتمد في إنتقاء أساتذة التعليم الثانوي يتضمن ثغرات  كبيرة و لا يكفي من أجل معرفة قدرات الأستاذ و مدى إستعداده لمواكبة قسم الفلسفة و تدريسها ، و هذا ما يتطلب تكوينا جيدا لأنه لا مفر من ربط التدريس بالتكوين ، إذا أردنا أن نبقى أوفياء لمهمة التربية ، و لهذا يجب أن تحضر مسألة التكوين خصوصا للأساتذة الذين تقلدوا مهنة التدريس حديثا ، و هذا راجع لإنعدام التجربة و قصر المدة المخصصة للتكوين ، و فجأة يجد الأستاذ نفسه محاط بأفراد القسم ، مرتعبا كمن رأى لجنة التحكيم في مباراة التعليم ، فيصعب عليه التعامل مع القسم بجميع مكوناته المختلفة بالرغم من أنه قد مر بتجربة الإنغماس في الوسط التربوي ، لهذا السبب فإن المدرس أثناء هذه المرحلة يجب عليه أخذ الوقت الكافي  من أجل الإحاطة بكل مكونات الدرس الفلسفي، إن التكوين قد يكسب الأستاذ مرونة بيداغوجية و ديداكتيكية تجعل الأستاذ قادرا على تحويل المعارف الفلسفية التي إكتسبها إلى مهارات و قواعد تساهم في سير الدرس الفلسفي كما خطط له الأستاذ أثناء التحضير له في الجذاذة التربوية ، بإعتبارها بطاقة لتصميم الدرس و هيكلة الإجراءات التي يجب إتباعها من أجل جعل الدرس الفلسفي يتم في طرق بيداغوجية حديثة تجعل التلميذ يكشف عن قدراته الإبداعية و التواصلية داخل حقل الفلسفة، و توصيل الدرس الفلسفي بطريقة تربوية و ديداكتيكية . لهذا تبقى مسؤولية تحسين وضعية الدرس الفلسفي بالقسم المغربي على عاتق المدارس العليا للأساتذة، و التكوين المستمر للأستاذ داخل أروقتها يعلمه المبادئ و الشروط التي يجب توفرها في مدرس الفلسفة ، و تجعله يراجع طرق التدريس التي أصبح يقدم بها الدرس الفلسفي بعد أن تخرج من رحاب المدرسة العليا للأساتذة و صار أستاذ ، لاسيما أنه سوف يواجه بعض العوائق أثناء التدريس خصوصا الجذوع المشتركة ، و نعلم جيدا الصعوبة التي يمكن أن تواجه الأستاذ المتعطش و هو يتفاعل مع هذه الفئة ، فالأمر ليس سهلا ، كما يبدو للوهلة الأولى ، إذا إطلعنا على مقرر هذه السنة ، حيث  ثم الإعتماد على التعامل مع إشكاليات صعبة في تاريخ الفلسفة ، لكن بطريقة تبسيطية ، و لا أدري إن كانت فعليا تتناسب مع القدرات العقلية و المعرفية و النفسية للتلميذ في تقبل الدرس الفلسفي في أحسن الظروف ، لأن التلاميذ في هذه المرحلة تبدو لهم الفلسفة كفر بالله و زندقة و هرطقة ، و ما إلى ذلك من الأقاويل الشائعة ، لهذا يجب على الأستاذ أن يفكر جيدا و بعقل رزين بالطريقة و المنهجية الأصوب من أجل إيصال الدرس الفلسفي و إنسجام التلاميذ مع كل جوانبه المتعددة ، و أن يحاول تقريب الفلسفة إلى عقول تلاميذ الجذوع المشتركة، و ذلك من أجل تنمية ثقافة التفكير النقذي لديهم ، حتى يستطيعوا مجابهة كل الأقوال الدغمائية و التخلص من الأفكار المسبقة و الآراء الجاهزة و الخطابات التأملية ، لأن الكتاب المدرسي القديم حاول في صيغته إضافة مصطلح الفكر الإسلامي، و ذلك لأسباب إيديولوجية حاولت تقريب الفلسفة بشكل كوني و إعطائها صورة مشوهة عن الإنحراف الفكري الثقافي ، هذا إن لم نقل ملاذ للإلحاد و الفكر الديني ، لذلك فقد كان عنوان الفلسفة و الفكر الإسلامي هو إيدان بالصلح الرمزي بين الحكمة النقلية و الحكمة العقلية من أجل تبيان أن الفلسفة صيغة كونية منسجمة مع مبادئ الفكر الفلسفي ، و مع هذا ظلت أصابع الإتهام موجهة إلى الفلسفة على أنها كفر لذلك فقد حاول الكتاب الجديد " الفلسفة " عزل الفلسفة باعتبارها جزء من التراث الإنساني العالمي ، فهذا العنوان أعطى للفلسفة إستقلالها عن كل إتهام يجردها من  جميع المبادئ التي تجعل العقل البشري جامدا بدون التفكير في القضايا الأنطولوجية و الميتافيزيقية التي تجعل الحضارة الإنسانية تتقدم إلى الأمام ، لأن العقل لا يتوقف عند الجواب ، بل يتعدى ذلك إلى السؤال الذي يثير أجوبة أخرى ، فلو كنا متوقفين على العقل المتحجر لصرنا الأن نقطع اللحم بالحجر ، لكن التساؤل الذي جعل من الإنسان يتقدم و الحضارة ، بالإضافة للفلسفة عبر محطاتها التاريخية ، جعل أيضا تقنيات تقديم الدرس الفلسفي تبلغ غاية من التطور و التقدم إستجابة لمتطلبات المتعلم و الوقوف عند قدراته و إبداعاته المختلفة من أجل الكشف كذلك عن المشاكل ، لذلك يجب إحترام المستوى الفكري و العقلي للتلاميذ أثناء التعامل مع الدرس الفلسفي، لذلك فإن تلقين قواعد الدرس الفلسفي من طرف المدرس تحتاج إلى تجديد على مستوى نظريات التعلم و الطرائق البيداغوجية المعاصرة التي تجعل المتعلم يخرج من إيصار الدرس التقليدي الذي قوامه الملل ، و لا تبقى التغيرات التي تتم على مستوى المجال التربوي مجرد حبر على ورق تلتهم مضامينه نفحات الزمان حتى تصبح بين جوانبه أثار خيوط العنكبوت، فكان لا بد من إصلاح الكتاب المدرسي الذي يتعلق بالأداب و العلوم الإنسانية في تدريس الفلسفة ، خصوصا في كتاب الرحاب الذي يضم مجموعة من التغييرات التي سوف تندهش منها ، فقد جاء المقرر على شكل مجزوءتين؛ الإنسان و الفاعلية و الإبداع مع اختلاف في مسلك العلوم الذي غيب عنه مفهوم اللغة بينما حضر في مسلك الآداب و العلوم الإنسانية، و تشمل كل مجزوءة مجموعة من الدروس و العناوين المختلفة التي تعالج قضية معينة ، بالإضافة إلى بناء الوضعيات المشكلة . فقد جاءت العناوين ركيكة تميل إلى الضبابية و عدم فهم المعنى على مستوى الصياغة ؛ فعلى سبيل المثال نجد فريق التأليف وضع في الصفحة العاشرة من درس " الوعي و اللاوعي "  عنوان مشكلة الوعي ، لكنه عاد في الصفحة 12 ليضع عنوانا آخر لنفس المحور " الإدراك الحسي و الشعور" و نفس الأمر يتكرر في الصفحة 7 من درس " اللغة " حيث تم تحديد المحور الأول لدرس اللغة في الإشكال " ما اللغة"  ، لكن في ثنايا الكتاب نجد عنوانا مخالفا لنفس المحور هو " اللغة الإنسانية خاصية بشرية " و نفس الخطأ نجد في درس التقنية و العلم ، فقد وضع المؤلفون عنوانا للمحور الأول " ماهية التقنية " لكنهم في الصفحة 80 و 78 نجدهم يضعون عنوانا آخر هو " لماذا التقنية خاصية بشرية" و الذي يدل على عدم الإهتمام بالدرس الفلسفي من طرف المختصين في المجال و نقل الأخطاء إلى التلاميذ ، و مثل هذا لا نجده في كتاب الفلسفة الخاص بالعلوم الفيزيائية أو العلوم عامة فيما يخص درس " التقنية و العلم " ، أما فيما يتعلق بمسألة المراجع و الشروحات فنجد أن نص برتراند راسل المفصل حول مسألة الوعي لا يعبر عن تعبير فلسفي منظم ، حيث يتضح ركاكة الكتابة و عدم تناسق الأفكار و الفقرات ، و هذا راجع إلى الكيفية التي أقتطع بها النص من النص المطول، حيث نجد أن الفريق إرتأى ترجمة كتاب راسل ب " علم و دين " و الحال أن التعريف ضروري و يعطي دلالة فياضة في اللغة العربية من خلال الترجمة إلى النص الأصلي باللغة الإنجليزية، فضلا عن كتاب عالم الاجتماع إدغار موران الذي " بعلم مع وعي " بدل " علم بوعي " و الغريب في الأمر هو أن فريق التأليف مكون من مفتشين ممتازين ، و باحثين في الفكر الفلسفي ، نجدهم يضعون كتاب سارتر الأوضاع عوض المواقف و هذا ما يؤكد على أن وضع الدروس و الكتب الفلسفية كان على عجلة من أمره ، جعل الباحثين لا يدققون و يبحثون في مسألة هيكلة المقرر الدراسي ، و الأكثر من ذلك لم تتم الإشارة إلى بعض أعلام الفلسفة الكبار ، فقد تم تعمد تغييب صور لبعض الفلاسفة الذين كان لهم دور في التأسيس لصرح الفكر الفلسفي المتنوع ، فإذا كانت هذه الجملة من الأخطاء و الأغاليط تعج بها الكتب الفلسفية المقرر تدريسها في السلك الثانوي ، فإنها تدل على عدم كفاءة لجنة التقويم و المصادقة على التأليف ، و هذا هو السبب في فشل المناهج الدراسية خصوصا في مادة الفلسفة، لكنهم لا يعتبرون هذا شيء مهما مختبئين حول التوبيخ لما يتعرض له المتعلم من عدم إهتمام بالدرس الفلسفي ، جاعلين الأستاذ هو أساس هذا المشكل التربوي في عدم إستيعاب التلميذ للدروس ، كيف لا و إستهتاركم هذا يضع الأستاذ في حالة حرجة أمام المفتشين الذين لهم عقول منغلقة إلم نقل أن تكوينهم في مستوى التبريز و التفتيش ضعيف جدا. و بالمثل نجد كارثة من الأخطاء في الجذوع المشتركة على مستوى المقرر الدراسي ، بهذا فإنك تعطي للمتعلم معرفة خاطئة تظل راسخة في ذهنه لاسيما و أنه في بداية التعرف على أبجديات مادة الفلسفة كنمط فكري مستقل بذاته عن كل الخطابات الأخرى ، فعندما نتفحص كتاب المنار و الرحاب للجذوع المشتركة نجد أن الأول قدم الفلسفة بلغة تبسيطية تراعي القدرات العقلية للتلاميذ حتى في الدروس ، من خلال نصوص فلسفية قصيرة ، بخلاف الرحاب الذي ضم استثمارا للدرس الفلسفي من أجل تأصيل القيم و زرعها كالسلم و الحوار ، فبعد أن وضع نشأة الفلسفة حاول أن يعرض بعض الثنائيات التي كانت محط نقاش كبير في تاريخ الفلسفة مثل الفلسفة و الدين و الفلسفة و العلم...، و عليه فإن الدرس الفلسفي بالمغرب لازال تواجهه مجموعة من الإكراهات و الصعوبات ذات الأبعاد السياسية و الثقافية التي تجعل تدريس الفلسفة صعب في الثانويات خصوصا و أن الإدارة تأخذ موقف من أساتذة الفلسفة مخافة تكوين جيل ثوري يدافع عن حقوقه و لا يظل مجرد آلة تتلقى الأوامر من الخارج .

 

إجمالا يمكن القول بأن الدرس الفلسفي له أهمية بالغة في اكتساب مهارة الفكر النقذي و الإستقلالية في التفكير ، و هذا لا يتأتى إلا من خلال تطوير طرائق التدريس ، و جعلها معاصرة تواكب التقدم العلمي و التربوي و ذلك من أجل تكوين شخصية متوازنة للمتعلم و المساهمة في تطوير تدريس الفلسفة داخل الأقسام المغربية التي تعرف خصاص في تدريس هذه المادة التي تعتبر في نظري أم العلوم بلا منازع .

 

  • من إنجاز: بوشعيب بن ايجا، طالب أستاذ باحث في الفلسفة ، وعلوم التربية و علم الاجتماع

تعليقات 0

إرسال تعليق

Cancel